ابن كثير

463

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

فلا مضل له ومن يضلل اللّه فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله » الحديث بتمامه رواه الإمام أحمد وأهل السنن وغيرهم . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 179 ] وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ ( 179 ) يقول تعالى : وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ أي خلقنا وجعلنا لجهنم كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أي هيأناهم لها وبعمل أهلها يعملون ، فإنه تعالى لما أراد أن يخلق الخلق علم ما هم عاملون قبل كونهم فكتب ذلك عنده في كتاب قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ، كما ورد في صحيح مسلم عن عبد اللّه بن عمرو أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال « إن اللّه قدر مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء » « 1 » . وفي صحيح مسلم أيضا : من حديث عائشة بنت طلحة عن خالتها عائشة أم المؤمنين رضي اللّه عنها أنها قالت : دعي النبي صلّى اللّه عليه وسلم إلى جنازة صبي من الأنصار فقلت : يا رسول اللّه طوبى له عصفور من عصافير الجنة لم يعمل السوء ولم يدركه ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « أو غير ذلك يا عائشة إن اللّه خلق الجنة وخلق لها أهلا وهم في أصلاب آبائهم ، وخلق النار وخلق لها أهلا وهم في أصلاب آبائهم » « 2 » . وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود : « ثم يبعث اللّه إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات فيكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد » « 3 » وتقدم أن اللّه لما استخرج ذرية آدم من صلبه وجعلهم فريقين أصحاب اليمين وأصحاب الشمال قال « هؤلاء للجنة ولا أبالي ، وهؤلاء للنار ولا أبالي » « 4 » والأحاديث في هذا كثيرة ومسألة القدر كبيرة ليس هذا موضع بسطها . وقوله تعالى : لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها يعني ليس ينتفعون بشيء من هذه الجوارح التي جعلها اللّه سببا للهداية ، كما قال تعالى : وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ [ الأحقاف : 26 ] الآية ، وقال تعالى : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ [ البقرة : 18 ] هذا في حق المنافقين . وقال في حق الكافرين صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ [ البقرة : 171 ] ولم يكونوا صما

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في القدر حديث 16 ، وأبو داود في فضائل القرآن باب 4 ، 20 ، والترمذي في القدر باب 18 ، وأحمد في المسند 1 / 392 ، 393 ، 432 . ( 2 ) أخرجه مسلم في القدر حديث 30 ، 31 . ( 3 ) أخرجه البخاري في التوحيد باب 28 ، ومسلم في القدر حديث 1 ، 4 . ( 4 ) أخرجه أحمد في المسند 5 / 239 .